حيدر حب الله

81

شمول الشريعة

توصّله إلى تحليل الكثير من مصاديقه . واللافت للنظر أنّ العديد من المستدلّين هنا في الوقت الذي لا يؤمنون بقدرة العقل على معرفة المصالح والمفاسد في جزئيّات حياة الإنسان ، يدّعون هنا قدرته على تحديد المصالح على مستوى الفعل الإلهي ويحدّدون ما هو الأصلح وما هو الأخلاقي في الفعل الإلهي نفسه ، رغم حدّة المزاحمات ومستوى التشابك والتعقيد في مصالح الوجود العامّة ، في نوع من المفارقة بحيث نصبح معتزلةً في علم الكلام وأشاعرةً في علم الشريعة ، وهذا من وجهة نظري أمر يستحقّ شيئاً من الاستغراب ، سواء فهم من قاعدة اللطف قيامها على العقل الأخلاقي في التحسين والتقبيح أم على مبدأ الضرورة المنطلقة من اقتضاء الخيريّة المطلقة في الذات الإلهيّة « 1 » ، وسواء سمّيناها بقاعدة اللطف أم قاعدة العناية ، وسواء أنتجناها على الأصول المعتزليّة أم على نظريّة الفيض الاوغسطينيّة المسيحيّة التي تقترب بعضَ الشيء منها ، ولكنّها لا تماهيها . ثانياً : واستتباعاً لما تقدّم ، ما هو المانع أن يرى المولى سبحانه أنّ البشر من صالحهم أن نعطي عقولهم حقّ التشريع في مساحات محدّدة ، دون تدخّلنا المباشر بجعل الأحكام في تلك المساحات ، لا سيما وأنّهم كما قد يختلفون في أحكامهم العقليّة ، قد اختلفوا كثيراً في فهم الأحكام الشرعيّة ، فإمكانيّة الخطأ في الحالتين واردة عمليّاً . ونحن لا نريد فرض تخلّي الوحي عن دوره ، بل فرض كونه لا يغطّي كلّ الوقائع ، بحيث تكفينا القضيّة المهملة ، ولو بنسبة الخمسة في المائة ، فهل من استحالةٍ عقليّة في هذا أو حكمٍ بالقبح في ذلك على الله سبحانه ؟ ! وكيف ؟ يُرجى بيانه عقلانيّاً . بل السيّد الصدر نفسه يقول في مباحث الإجماع عند نقده قيام حجيّة الإجماع على مسلك اللطف كما فعل الشيخ الطوسي : إنّه لو أريد من المصالح الحقيقيّة الملاكات التكوينيّة الثابتة بقطع النّظر عن أحكام الشارع وتشريعاته ، فمثل هذه الملاكات من الواضح عدم لزوم حفظها

--> ( 1 ) من اللافت لكلّ مطّلع على الفكر الكلامي الإسلامي - خاصّة المعتزلي والإمامي - قيامه على فكرة التحسين والتقبيح العقليّين ، وذهابه - إذا صحّ التعبير - للتعامل مع الله وكأنّه إنسان ، ثم تقويم تصرّفاته تبعاً لتقويمنا لتصرّفات الإنسان ، وهذا ما لم يرضَ به بعض الفلاسفة لاحقاً ، بل اعتبروا أنّ التعامل بهذه الطريقة لا يوصل إلى نتيجة مرجوّة ، لهذا فضّلوا الاشتغال على مقولات : الوجود ، والكمال ، والخيريّة ، والفيض ، والصدور ، وأمثال ذلك ؛ ليتوصّلوا إلى نتائجهم .